لاجئ إلى دستوبيا

مذكرات لاجئ مصري بلا وطن

الرحلة : ١٠ سنوات في الهواء

بعيدا عن احلام السفر و الترحال التي داعبت مخيلاتنا في الصغر حتى صدقناها كخيال مشروع .. كانت رحلة الطائرة قطعة من التعذيب الممنهج الذي بدا لي انه مرسوم بدقة ، من الذي سمح بحبس اسرة صغيرة في منتصف طائرة ضيقة على ثلاث مقاعد بائسة لعشر ساعات من تأفف الناس حولهم ، بوجود الأطفال تتحول الى كلب شرس يبادل الناس النظرات بالنباح ، فتلك المدللة لا تملك الحق في النظر الى طفلي بهذا التأفف حتى ولو اخترق صوته حاجز الصوت ، وهذا المضيف الجوي ما هو الا خادم فليكف عن التظاهر و ليأت بالحليب دون تذمر ، تمر الساعات حرفيا كسنين ، تفكر في كلمة "سنة كبيسة" بشكل متواصل ثم تدرك أخيرا انك نسيت ان تنظر من نافذة الطائرة كما حلمت دوما، فاتتك الرحلة ببساطة بينما تقاتل بتوترك الناس من أجل أطفالك .. توترك يقتلك وانت تعلم انك على متن الطائرة لست سائح مثلهم .. لست مسافرا ينتظره محبوه .. لا احد ينتظر .. انت فقط مشروع لاجئ ينتظر

الوصول: الى قاع العالم جنب اخوتك

للوصول فرحة و ضحكة ، و حالتك ليست اختلافا.
تقف على حافة المسافرين الطبيعيين محاولا التفلت من الاجراءات الطبيعية حتى تفهم طريقك الغير طبيعي منفردا بلا دليل
على استحياء و تحاول ان تنسى الحياء و تخبر الضابط هذا و المضيفة تلك عن "حالتك الخاصة"

تحاول اختيار كلمات منمقة تصف بها وضعك ، يبتسمون في ادب و هم لا يفهمون ، ثم لا تجد بدا من استخدام الوصف الذي يلاحقك "لاجئ .." فقط دون تزيين "سياسي و اعلامي"
تعود الضحكة في وجهك من جديد ولكنها ساخرة هذة المرة .. ساخرة فقط دون تزيين "خدمي و احترافي" ضحكة تحس لها معنى بلغتك "مش تقول انك لاجئ"

حين تصل الى المكتب ويبدأ الروتين التقليدي لاستقبال اللاجئ (الصراخ في وجهه حتى يتم التأكد من حقيقة احقيته للجوء) ، حينها فقط تدرك اين وصلت بالتحديد
انت لم تعد "احمد بيه" ولا "سيادة المدير" .. انت لست "ناشط سياسي " ولا أي من هراء " اعلامي باحث عن الحقيقة" الذي تملأ به فيسبوك
انت لم تعد تصنف على مقياس "ولاد الناس" حقيقةً .. انت هنا ..تحت .. في قاع العالم على ادنى درجات السلم الاجتماعي للنظام العالمي الغربي .. مع المهزومين الذين خسروا مع من يعتقدون انهم محظوظين لأنهم هربوا، تختبئ خلف توترك و نظراتك التي نصحوك ان تكون واثقة .. انت لست واثقا من شيء رغم كتب القانون العلماني التي قرأتها و حقوقك المدنية التي استظهرتها ، ففي القاع تدرك انه لا شيء اكثر حزنا من "باشا" لاجيء يحاول التظاهر بالأهمية ، انت لاجيء .. فقط .. اجلس و اخرس

مركز رفاهية اللاجئين: يضيع العهد وتعيش العُهدة

"استراحة طالبي اللجوء" ليست هي تحديدا "استراحة المحارب" التي كنت تسعى لها.
الحرية و المبادئ العليا التي خرجت بسببها من رغد العيش في بلدك تذوب هنا مع اول "بطاقة طعام" تحصل عليها
العهد الذي قطعته على نفسك بمواصلة الكفاح من أجل القضية يذوب مع اول سؤال منك عن "موعد القضية" التي اصبحت بموجبها متهما باللجوء و عليك انت ان تثبت انك حقا انت.

اما عن الحرية فأنت لست حرا بعد يا صديقي، و لست محتجزا ابداً .. يرددون.. لا تستطيع ان تثبت ذلك.. يترافعون او يسخرون .. لاتعلم ، انت فقط "عُهدة" أحدهم التي وقّع صباحا باستلامها و عليه تسليمها "سليمة" في المساء ، لا تبالغ في ازدراء نفسك لكن الحقيقة انت لم تعد سوى "شِيفت صباحي مبكر" من وجهة نظر موظف حكومي ممل.. و شيفت آخر "مسائي مرهق" من وجهة نظر "الآخر"

مهما بلغت درجة الاحترام التي سيتم معاملتك بها في دول العالم "الحر .. الا انك ستميز تلك النظرة التي ينظرها الراعي الى اغنامه .. يهتم بعلفها .. بنظافة جحورها .. باطفاء النور في مواعيد نومها .. ب "هشها" بين الحين و الاخر .. حتى يعود الى منزله وهو يشعر انه موظف مجتهد لا اكثر .. وانت الوظيفة ولا "أقل" من ان تصبح مجرد وظيفة يا صاحبي
مهما بلغت درجة الاحترام في دول العالم الحر .. ستعلم من نظراتهم انت لستَ حر .. بالتأكيد لستَ حر

الخروج : مرحبا بك في نهاية العالم

ان كانت بلادنا هي مركز العالم .. فبلاد اللجوء هي نهاية العالم بلا ريب .. لكن في عالم "النظام العالمي" انت غريب وصل لتوه الى العالم
يلفحك مطر شديد في عزّ الصيف فور خروجك من المطار .. ماهذا الهراء
لكن الهراء حقا تجسد لي في لقاءات عابرة للحدود حرفيا تجمعني عشوائيا بأقران لم اكن اعلم تطابقهم معي.

دانيال "باكستاني" .. اسلام "اوزباكي" .. لطيفة "مغربية"
اشتري علبة عصير "مانجو" من دانيال ثم اعود اليه شاكيا "ما هذا العصير ؟ هذا ليس مانجو .. هذا هراء" يطرق الشاب لحظة وهو ينظر الى رسمة ثمرة المانجو على العلبة البلاستيكية ثم يقول : اخي نعم .. هذا ليس مانجو .. هذا هراء .. هذه البلاد الصخرية لا تصلح لزراعة شيء ولا عندها ثروة في الارض.. ارض عاقر .. في لاهور يوجد ثروة في الارض. . يوجد مانجو .. ليتك تتذوق العسل بداخله كأنه مولود حبلت به التربة الخصبة هناك .. في لاهور مع المانجو فلفل احمر .. ململسه كفيل بحرق قلبك .. لا يبرده سوى لبن الجاموس طويل القرن .. لبن سائب رائق طازج .. لأن الجاموس رائق .. يمرح بحرية في جبال لاهور .. الجبال هناك مملؤة بالذهب .. الحكومة اصبحت تمنع الجاموس من الاقتراب بسبب الذهب .. خسرنا اللبن ولم يعطونا الذهب .. في لاهور كل شيء .. لكن الحكومة لا تعطينا شيء .. افتقد لاهور

ليس الذهب ما كان يحلم به الأوزباكي "اسلام" شاب صغير السن فارع الطول خارق البنيان .. متعلم كما حق للتعليم ان يكون .. يتوه في محطات "المترو" المزدحمة فأنتشله من التيه ليتوه معي قليلا .. بذكاء غريب تعلم الأحرف الكورية المعقدة وحده فقط بالمقارنة بينها و بين الحروف الصينية التي تعلمها بالمقارنة بينها و بين الحروف الروسية التي تعلمها بالاجبار في بلده التركمانية الأصل .
بعد ان يرشد كلانا الى طريقه يخبرني بعربية سليمة : اعيش في قرية صغيرة قرب "آلماطي" .. عندنا خيل قوي و عشب اخضر .. نسابق الخيل طوال العام و ننظم السباقات في الجبال و نبيع و نشتري .. الحكومة منعتنا التسابق على الجبال .. هناك اكتشوا "يورانيوم" تعلمت عنه و عرفت قيمته .. لكن اسمي "اسلام" فلك ان تتخيل هذا الارهابي بالإسم يريد ان يعمل في اليورانيوم .. الحكومة فقط تعمل اليورانيوم .. لم يعطونا شيء .. ومنعونا الجبال .. لم تنفعنا القوة ولم ينفعنا الخيل .. عندما خارت قوانا ..أكلنا الخيل .. وجئنا نعمل في هذة البلاد .. لا خيل يستطيع ان يعيش هنا .. ولا يورانيوم .. لا اعلم ماذا تسرق الحكومة هنا .. وماذا يأكل الناس

في المطعم الإيراني اطلب النادلة لأشتكي سوء جودة الطعام .. فتحضر المغربية" لطيفة"
- يا اختي هذا ارز مكسور درجة عاشرة
- اخي هذا اخر ما تبقى من الأرز الصيني .. عرفت انك مصري فأردت ان اكرمك.. لم اطبخ لك من الأرز المزروع في "الصوابات" البلاستيكية هنا .. لا يفرق عن البلاستيك
تسرح لثانية و تقول بسخرية : الارز في مصر طبخته من قبل .. من حلاوته كنت اعتقد ان النيل الذي رواه هو نهر ابيض يصب اللبن .
تداهمنا الأمطار في باحة المطعم فتبتسم بكياسة و تقول :جو مصر الحنين مافي أجمل منه سوى أكل مصر .
اسرح انا و انا اتذكر جو مصر . والأرز في مصر .. و اتذكر النيل .. و اتذكر البلد .. و الحكومة .. الحكومة منعتنا يا لطيفة من ان نزرع الأرز .. و النيل جف .. ونحن لم نعد هناك.. وغير مسموح لنا بالعودة .. و لن تطبخي هذا الارز مرة اخرى .. و اسلام لن يجري مع خيوله في براري "آلماطي" .. و دانيال لن يأكل المانجو مع الجاموس الرائق في لاهور .. نحن هنا لاجئين .. فلنأكل البلاستيك في دولة الصخور و العواصف هذه .. ولنستمتع بنهاية العالم .. وحكم النظام العالمي الذي يلفظنا .. ولنخرس

--

--

--

Egyptian journalist and TV presenter , now #AsylumSeeker in Seoul south korea

Get the Medium app

A button that says 'Download on the App Store', and if clicked it will lead you to the iOS App store
A button that says 'Get it on, Google Play', and if clicked it will lead you to the Google Play store
ٍSaadov

ٍSaadov

Egyptian journalist and TV presenter , now #AsylumSeeker in Seoul south korea

More from Medium

Taking Flight

Beginning to share…a tale

What is WALKING FINGERS?